اعرف أكثر: ما السلوك المالي؟

Learn more: What is financial behavior? Why knowing what is right is not enough

كان سامر يعرف القاعدة جيدًا: «احتفظ بجزء من دخلك قبل أن تبدأ الإنفاق». كان يكررها لأصدقائه، ويتابع المقاطع التي تشرح أهمية البداية المبكرة، ويقرر مع كل راتب أن يبدأ هذه المرة. مرّت ستة أشهر، ولم يحتفظ سامر بأي مبلغ. لم يكن جاهلًا بأهمية ما يريد فعله، ولم يكن يكذب حين أعلن نيته، لكن النتيجة بقيت كما هي. وحين سأله صديقه عما يحدث، أجاب: «لا أعرف؛ يبدو أنني شخص لا يجيد التعامل مع المال».

تبدو العبارة وكأنها تشرح المشكلة، لكنها لا تخبرنا بما حدث فعلًا. هل أنفق سامر المال قبل أن يحوّل جزءًا منه؟ هل ظهرت التزامات لم يتوقعها؟ هل نسي قراره عند وصول الراتب؟ أم أنه لم يحدد مبلغًا أو موعدًا للتنفيذ؟ قبل أن نفسر سلوكه، نحتاج أولًا إلى أن نراه بوضوح. لقد عرفنا في المحاضرة التمهيدية أن المشكلة قد تضم مكوّنًا سلوكيًّا؛ وهنا سنحدد ما الذي نعنيه بالسلوك المالي قبل تفسيره أو محاولة تغييره.

محاور المحاضرة

  • ما المقصود بالسلوك المالي؟
  • لماذا لا تساوي الثقافة المالية الممارسة المالية؟
  • أين تنقطع السلسلة بين المعرفة والفعل؟
  • كيف ينظر علم النفس والاقتصاد السلوكي وعلم الاجتماع إلى السلوك المالي؟
  • لماذا لا يكون السلوك حكمًا على شخصية صاحبه؟
  • كيف نحول الانطباع العام إلى وصف قابل للملاحظة؟

ما المقصود بالسلوك المالي؟

السلوك المالي هو فعل يقوم به الإنسان، أو فعل يمتنع عن القيام به، ويتصل بكسب المال أو إنفاقه أو الاحتفاظ به أو اقتراضه أو مشاركته أو حمايته أو متابعة شؤونه. شراء هاتف سلوك مالي، وتحويل مبلغ إلى الأسرة سلوك مالي، ومراجعة الحساب سلوك مالي. كذلك قد يكون الامتناع سلوكًا يمكن ملاحظته، مثل عدم فتح إشعار بنكي، أو عدم إلغاء اشتراك لا يُستخدم، أو عدم تنفيذ تحويل كان مقررًا.

لكننا لا نصف السلوك بكلمات عامة مثل: «أنا سيئ مع المال»، أو «أنا شخص مقتصد». فالعبارة الأولى لا تخبرنا بما فعله صاحبها، والثانية لا تثبت كيف يتصرف في المواقف المختلفة. أما قول شخص: «اشتريت ثلاث مرات هذا الأسبوع بعد تصفح المتاجر ليلًا، من دون خطة مسبقة»، فهو وصف لفعل يمكن ملاحظته. وكذلك قوله: «قارنت ثلاثة بدائل، ثم انتظرت إلى اليوم التالي قبل الشراء» يصف سلوكًا أوضح من كلمة «مقتصد».

إذن، أول قاعدة في دراسة السلوك المالي هي: لا تبدأ بوصف الإنسان، بل صف ما فعله أو لم يفعله.

لماذا لا تساوي الثقافة المالية الممارسة المالية؟

تشمل الثقافة المالية المعرفة والمهارات والاتجاهات والسلوكيات التي تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات مالية أفضل وتحقيق قدر أعلى من الرفاه المالي. وهذا يعني أن الثقافة المالية لا تقتصر على حفظ المعلومات، لكنها تبدأ منها. فقد يعرف الشاب معنى الفائدة، ويدرك أهمية مقارنة الأسعار، ويستطيع شرح فائدة الاحتفاظ بجزء من دخله، ثم لا يستخدم هذه المعرفة عندما يأتي وقت القرار.

لا يعني ذلك أن التعليم المالي عديم الفائدة. فقد جمع تيم كايزر وزملاؤه نتائج 76 تجربة عشوائية ضمت أكثر من 160 ألف مشارك، ووجدوا أن برامج التعليم المالي حسّنت، في المتوسط، المعرفة وبعض السلوكيات المالية اللاحقة. لكن التحسن المتوسط لا يعني أن كل معلومة تتحول تلقائيًّا إلى فعل عند كل شخص وفي كل موقف. فالمعرفة عامل مهم، لكنها ليست زرًّا نضغط عليه فيظهر السلوك المطلوب فورًا.

قد يعرف سامر فائدة الاحتفاظ بجزء من دخله، لكنه يحتاج أيضًا إلى موقف مؤيد للفعل، وقرار محدد، وقدرة واقعية على التنفيذ. لذلك نحتاج إلى معرفة الموضع الذي توقفت عنده السلسلة.

أين تنقطع السلسلة بين المعرفة والفعل؟

يمكن تبسيط الطريق إلى السلوك في أربع حلقات:

المعرفة ← الاتجاه ← النية ← الفعل

المعرفة هي ما يعرفه الشخص؛ مثل إدراك أن الاحتفاظ بجزء من الدخل قد يفيده لاحقًا. والاتجاه هو تقييمه لهذا السلوك: هل يراه مهمًّا، أم يشعر بأنه حرمان لا يستحق؟ والنية هي القرار الذي يريد تنفيذه: «سأحتفظ بمبلغ عند وصول الدخل». أما الفعل فهو ما حدث في الواقع: هل حوّل المبلغ فعلًا أم لم يحوّله؟

هذه السلسلة ليست قانونًا حتميًّا. فقد يعرف الإنسان المعلومة ولا يقتنع بها، أو يقتنع بها دون أن يتخذ قرارًا، أو يعلن نية صادقة ثم لا ينفذها. وتوضح نظرية السلوك المخطط لإيسك أجزن أن النية تتأثر باتجاه الإنسان نحو الفعل، وبالضغط أو التأييد الاجتماعي الذي يشعر به، وبإدراكه لقدرته على التنفيذ. كما أظهرت مراجعات العلاقة بين النية والسلوك أن وجود نية قوية يزيد احتمال الفعل، لكنه لا يضمن وقوعه.

لذلك، حين يقول شخص: «كنت أنوي فعل ذلك ولم أفعل»، لا نبدأ باتهامه بالكذب أو ضعف الشخصية، بل نسأل: هل كانت النية محددة؟ وهل كانت لديه فرصة وقدرة على التنفيذ؟ وماذا حدث عندما وصل إلى لحظة الفعل؟

ثلاث عدسات لفهم السلوك المالي

تنظر هذه الدورة إلى السلوك المالي من خلال ثلاث عدسات متكاملة. تسأل عدسة علم النفس عن الأفكار والمشاعر والدوافع والانتباه والقدرة على تنظيم الفعل. وتسأل عدسة الاقتصاد السلوكي عما يحدث للقرار داخل الموقف نفسه: كيف عُرض الاختيار؟ وما المعلومات التي برزت؟ وما الذي جعل خيارًا أسهل من غيره؟ أما عدسة علم الاجتماع فتسأل عن الأسرة والأصدقاء والمعايير الاجتماعية والمؤسسات والفرص والقيود المحيطة بالإنسان.

إذا لم يحتفظ شاب بجزء من دخله، فقد توجد عوامل نفسية تتعلق بدافعه أو شعوره بقدرته على التنفيذ، وقد توجد عوامل اجتماعية مثل اعتبار دخله موردًا مشتركًا داخل الأسرة، وقد تؤثر طريقة وصول الدخل والخيارات المتاحة أمامه. هذه احتمالات للفحص، وليست إجابات جاهزة. وسنتعلم آلياتها بالتدريج في المحاضرات اللاحقة، بدل أن نضع كل سلوك منذ البداية تحت تفسير واحد.

لماذا لا يكون السلوك حكمًا على شخصية صاحبه؟

عندما نصف إنسانًا بأنه «مبذر» أو «بخيل» أو «فاشل ماليًّا»، فإننا نحول أفعالًا قد تتغير من موقف إلى آخر إلى هوية ثابتة. والمشكلة ليست في قسوة الكلمات فقط، بل في ضعفها بوصفها تفسيرًا. فقد يشتري شخص شيئًا غير مخطط له في موقف، ثم يتصرف بحذر في مواقف أخرى. وقد يمتنع آخر عن الإنفاق لأن موارده محدودة، لا لأنه بخيل.

الوصف الأخلاقي يغلق باب الفهم، أما الوصف السلوكي فيفتحه. وهذا لا يلغي مسؤولية الإنسان عما يستطيع تغييره، بل يجعل المسؤولية أكثر دقة؛ لأننا نحدد الفعل الذي يحتاج إلى مراجعة بدل إدانة الشخصية كلها.

من الحكم العام إلى الوصف الدقيق

لتحويل الانطباع إلى وصف، اسأل أربعة أسئلة: ما الفعل الذي حدث أو لم يحدث؟ متى وأين حدث؟ كم مرة تكرر خلال مدة محددة؟ وما الموقف المباشر الذي كان حاضرًا؟

بدلًا من قول: «لا أستطيع التحكم في مالي»، يمكن أن تقول: «خلال الأسبوعين الماضيين اشتريت أربع مرات من تطبيقات التسوق بعد الساعة الحادية عشرة ليلًا، ولم تكن المشتريات مكتوبة مسبقًا». وبدلًا من: «أنا مهمل»، قل: «وصلتني ثلاثة إشعارات مرتبطة بالمال، وأجلت فتحها حتى انقضى موعد اثنين منها».

هذا الوصف لا يفسر السبب بعد، ولا يحل المشكلة وحده، لكنه يمنحنا فعلًا حقيقيًّا يمكن فحصه. أما تفسير الدخل والالتزامات والتوقيت فسيكون موضوع المحاضرة التالية.

خلاصة المحاضرة والجسر المعرفي

السلوك المالي فعل أو امتناع محدد يتصل بالمال، وليس صفة عامة أو حكمًا أخلاقيًّا. وتساعد المعرفة المالية على تحسين القرار، لكنها لا تضمن وحدها تحوّل ما نعرفه إلى ممارسة مستمرة. فقد تنقطع السلسلة بين المعرفة والاتجاه والنية والفعل، وقد تؤثر في كل حلقة عوامل نفسية وسلوكية واجتماعية.

لذلك تبدأ دراسة السلوك بوصف ما حدث: الفعل، والوقت، والتكرار، والموقف المباشر. وفي المحاضرة التالية سننتقل من وصف فعل واحد إلى قراءة الصورة المالية التي يحدث داخلها: الدخل، والمصروفات، والالتزامات، والتوقيت، والسيولة. فالسلوك لا يقع في فراغ، ووصفه وحده لا يكشف الواقع المالي الذي يحتويه.

المصادر العلمية

4 مصادر
  1. 2026OECD/INFE Toolkit for Measuring Financial Literacy, Inclusion and Well-Being 2026OECD. Google Scholar ↗
  2. 2022Financial Education Affects Financial Knowledge and Downstream BehaviorsKaiser, T., Lusardi, A., Menkhoff, L., & Urban, C. J.Journal of Financial Economics, 145(2), 255–272. Google Scholar ↗
  3. 1991The Theory of Planned BehaviorAjzen, I.Organizational Behavior and Human Decision Processes, 50(2), 179–211. Google Scholar ↗
  4. 2002Intention–Behavior Relations: A Conceptual and Empirical ReviewSheeran, P.European Review of Social Psychology, 12(1), 1–36. Google Scholar ↗

هذا درس مجاني من «عقلك والمال». اشترك للوصول إلى كل الدروس والاختبارات والشهادة.

اعرف تفاصيل الاشتراك ←